رحلة محارب /بقلم رفيق مدريك

 قصة قصيرة   بقلم : رفيق مدريك              

                              (رحلة محارب)


إحدى الأيام الحارة من شهر يوليوز 1974،الساعة تشير إلى الخامسة بعد الزوال،على حافة الطريق الثانوية الرابطة بين عاصمة الاقليم وقرية أولاد منصور الساحل،توقفت سيارة للنقل السري،نزل عبد السلام لصمك مختنقا من شدة الحر بداخل سيارة تكدس بها أكثر من عشرة أنفار ومن الربو الذي يلازمه،يحمل حقيبة صغيرة،وعلى أعتاب ربوة يتأمل سلام  الدوار مسقط رأسه،والذي غادره قبل أربعة وثلاثين عاما،نفس المكان الذي ودع منه أمه رابحة تركها وحيدة تبكي غيابه،انضم خلالها سلام ولد رابحة للجيش الفرنسي سنة 1940،في ذروة الحرب العالمية الثانية،بضغط من خاله الذي تأمر عليه رفقة شيخ القبيلة للتخلص منه،و الاستفراد بأخته رابحة والدة سلام،للاستحواذ على أملاكها.رابحة أرملة في بداية عقدها الخامس توفي زوجها العربي لصمك،وهي حامل في سلام قبل عشرين سنة خلت،لم يكتب لسلام رؤية والده

رابحة وابنها سلام لا يعرفان إلا أسرة خاله العياشي،وابنه محمد....

منذ أن ارتدى سلام لصمك بزة الجيش الفرنسي لم يكتب له الرجوع لرؤية والدته،التي ماتت من غصتها وهي تنتظر عودته من الحرب،وصل سلام متحمسا للدوار،كل شيء تغير في البلدة التي غزتها الأعمدة الكهربائية،والدراجات النارية التي عوضت الدواب،وقف على مدخل الدوار أمام دكان بن الشاوي،الذي يتاجر في الموادالغذائية،الأسمدة،الاعلاف،البنزين،السجائر،وكل ما يحتاجه أهل البلدة،مجموعة من الشباب يفترشون حصيرا قرب الدكان يلعبون الورق،بينما شيخان منهمكان في حديث ما....عبد السلام أو سلام كما تعود أهل الدوار،وأصدقاءه في الجيش الفرنسي المناداة عليه..

يحمل حقيبة صغيرة يرتدي بدلة أسيوية،وطربوشا إسبانية،

السلام عليكم،،! التفت الكل نحو الشخص الواقف أمامهم،،،

وبصوت واحد عليكم السلام ورحمة الله،،انتظر سلام أن يبادر أحدهم بالسؤال لكن شيئا من ذلك لم يحصل،،انتظر هنيهة والتفت يمينا وشمالا،أشعل سيجارة أسيوية أخذ منها نفسا عميقا،يتطلع في وجوههم مغمضا عينا من تأثير دخان سيجارته،ثم أردف يقول ربما أن لا أحد منكم يعرفني،،؟توجه كل رواد الدكان بنظراتهم قبلة الكابران سلام لمعرفة الشخص الماثل أمامهم،أنا سلام ولد العربي لصمك أمي رابحة بنت المكي،،خالي العياشي بن المكي...

التفت إليه أحد الشيوخ يسأل متعجبا  ماذا قلت..!سلام ولد أمي رابحة مات في لاندوشي...!

ابتسم سلام وهو يبحث في جيبه عن وثائقه ليدلي بها،وقد أنهكه الربو والإدمان على الدخان،والمشروبات الكحولية، أعطاه بن الشاوي كرسيا...وهو يحاول الجلوس على الكرسي لا يا سيدي سلام ولد رابحة هو الماثل أمامكم،،قام عيسى يتطلع في وجه سلام وقد خانه النظر قبل التعبير،،أهلا ولد أمي رابحة، فأهل الدوار كلهم يعتقدون أنك مت من زمان. هذا ما أخبرنا به خالك العياشي رحمه الله قبل عشرين سنة...

بعد أن استرجع سلام ثقة مخاطبيه، بدأت أسئلة سلام تتناسل في انسياب على أهل البلدة كل واحد باسمه وكأنه لم يغادر البلدة ليؤكد لهم أنه هو سلام ولد العربي لصمك،فكل  سكان الدوار من جيل خاله أغلبهم توفي،وقليل ممن عايشهم. بادر عيسى ليخبره بوفاة والدته،أوقفه سلام بإشارة من يده، قائلا  أنه توصل بخبر وفاتها وهو في ساحة المعركة على الحدود الفرنسية الإيطالية،،رسالة من خالي العياشي كانت الأولى والأخيرة التي علمت منها خبر وفاة أمي وأخبار سكان الدوار،،

بن الشاوي البقال ودون أن تطلب منه المساعدة،أمر عيسى أن يرافقه إلى خيمة محمد ولد العياشي،تطوع هذا الأخير لمرافقة سلام،وفي طريقهما دار بينهما حديث حول إرث سلام من والدته،تظاهر عيسى بعدم علمه بهذا الأمر،،وعلى مشارف خيمة محمد ابن العياشي شرعت الكلاب في النباح معلنة  قدوم ضيف،خرج محمد بن العياشي يستطلع الأخبار يحمل عصا يستعملها للرعي،ويده وراء ظهره،تعرف على عيسى،لكن الشخص الذي يرافقه أدخل الشك إلى نفس محمد،،تقدم نحوهما سلم عليهما وهو يتوجس خيفة من الضيف،ومن أول نظرة تعرف عليه،نفس الملامح لم يتغير فرغم الشيب الذي غزا شعره،و الأسنان التي فقد غالبيتها لم يتغير سلام،آه إنه هو سلام ابن عمتي كيف ظهر بعد كل هذه السنين !هل رجع من أجل إرث أمه...؟أم هو الحنين لمسقط رأسه..؟ أم الشوق لأرض الأجداد...؟هل ينوي الاستقرار...!وهل يعلم أن ابي قد زور رسوم الملكية للاستيلاء على أملاك عمتي رابحة..؟

عيسى هل تعرفت على هذا السيد يا ابن العياشي؟

رد محمد متظاهرا بالامبالاة، لا لم أعرفه،،؟ من يكون هذا،وقبل أن يجيب عيسى على سؤال محمد...؟

- سلام أنت محمد ابن خالي العياشي أنا سلام ابن عمتك رابحةة،وببرود تام يجيب محمد،آه ولكن سلام مات قبل أربع وعشرون عاما،،ضحك سلام في دواخله وقد تأكد أنه ضيف غير مرغوب فيه،فهو بخبرته يعلم أن محمد تعرف عليه فهما أقران،فقد كانت علاقتهما وطيدة،ولا يمكنه نسيان قسمات وجهه،فمحمد يكبر سلام بسنة واحدة...

سلام باستهزاء لقد بعثت من القبر،وعدت لإحياء صلةالرحم،

حاول حمل حقيبته ليعود من حيث أتى...استدرك محمد الأمر،،الله الله على سلامتك يا ابن عمتي أخذه بالحضن،،

تفضل تفضل هذا يوم عيد الذي عاد لنا فيه سلام وهو يهش على الكلاب،،دخل سلام لبيت ابن خاله ومعه عيسى..

روى سلام لمحمد وعيسى حكايته منذ مغادرته للدوار،

والتحاقه بالجيش الفرنسي،والتدريب العسكري الذي تلقاه بمديونة،وعن الإشادة التي كان يتلقاها من الضباط،وضباط الصف الفرنسيين،حكى لهم عن تفوقه في الرماية،وعن سفره من ميناء الدار البيضاء على متن بارجة حربية إلى فرنسا، والوصول إلى مارسيليا المدينة التي أغرم بحدائقها وساحاتها،وميناءها,وحاناتها،وعن بنات الهوى في مرسيليا،وحكى عن دوار البحر الذي أصاب كل الجنود،

حكى عن مغامراته وبسالته في المعارك،في الدفاع عن فرنسا،

في الحدود الايطالية،وفي كورسيكا،وبلجيكا،وعن الرسالة التي توصل بها عن خبر موت أمه..

عيسى يسأل وسلام يروي مغامراته..محمد بن العياشي لم يكن يستوعب ما يرويه سلام،لا يهمه من أمر سلام سوى معرفة سبب قدومه للقبيلة،،يضحك لمجرد ضحك عيسى لم يكن يعي مايحكيه سلام من مغامرات،

ومازال سلام يحكي حتى نهاية الحرب،وانتصار فرنسا والحلفاء على ألمانيا كلير (هتلر)...حيث عاد إلى مارسيليا واستقر بها أربع سنوات،،وفي ذروة الحرب الهند الصينية،،تم ارساله إلى الفيتنام عام 1946 للحرب ضد الفيتنام ووصول الباخرة التي كانت تقلهم إلى ميناء بورسعيد بمصر،وكيف استقبلهم الشعب المصري بالاحتجاجات لانهم يدافعون على المستعمر ضد شعب يطالب باستقلال وطنه..حكى وصولهم إلى الفيتنام،وعن صعوبة الحرب في هذه البلاد لكثرة المستنقعات بها والغابات،وحكى عن حرب العصابات،وعن مقتل عدد من الجنود أمام أعينه،وعن الرعب والهلع الذي سببه لهم الفيتناميون،حكى عن يوم استسلامه للجيش الفيتنامي،وعن المعاملة الحسنة التي تلقاها خلال مدة أسره،وعن عادات وتقاليد  هذا الشعب...

حكى سلام كيف اختار البقاء هناك بعد نهاية الحرب رفقة عدد من الجنود المغاربة الذين سبق أسرهم خلال الحرب،،

والذين تزوجوا وخلفوا أولادا من فيتناميات،وصارت لهم أسر

وعلاقات مع هذا الشعب،،حكى لهم عن زواجه من (مادرينا) المرأة التي ضحت بأسرتها،من أجل الارتباط به كزوج،،مادرينا التي كانت مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل الحفاظ على سلام بجانبها..مادرينا التي كانت تقوم بكل أعباء المزرعة التي كانت تملكها،كان يعيش أميرا مع مادرينا فرغم عدم انجابها فلم أفكر يوما في التخلي عنها،،حتى طلب منا سلطات المغرب العودة إلى الوطن،لم نتأخر في الموافقة على العودة،لكن مادرينا لم تقدر على هجرة وطنها،فاتفقت معها على الإنفصال،ومع ذلك رافقتني حتى المطار،وحضنتني وهي  تبكي وكأني رضيعها سلب منها،،حتى غالبته دموع الاشتياق لهذه الزوجة المخلصة مادرينا،اغلبية الجنود عادوا رفقة زوجاتهم وأولادهم...

-محمد بن العياشي: لماذا هجرت زوجتك،وتركت كل هذا النعيم،،ورجعت لبلد لم تعد تعلم عنه شيئا،ولا تملك فيه شيئا..

عيسى محاولا تغيير الموضوع،،، يسأل عن عادات وتقاليد وديانة (لاندوشي)...هل يصومون مثلنا،،! وفي عيد الأضحى يذبحون الغنم مثلنا،،! صلاتهم،،!يذهبون للحج،،!

سلام يضحك،،إنهم قوم يعبدون بودا،ولا يعلمون عن الاسلام شيئا...

عيسى: كان عليك دعوتهم للإسلام فتعلمهم الصلاة والصوم،

فتكون سببا في إسلامهم فتنال الأجر كاملا...

ضحك سلام ضحكة عالية سمعت في أرجاء الغرفة،وماذا أعرف أنا على الإسلام حتى أدعوهم للدخول فيه،، أنا بدوري لم أصلي ولم أصم طيلة هذه المدة،بل لم أعرف وقت رمضان

بعد تناول وجبة العشاء،عيسى ودع محمد وسلام،اغتنم سلام الفرصة للسؤال عن إرثه من والدته رابحة بنت المكي..

محمد ولد العياشي:ماذا أقول لك يا ابن عمتي،كل ما أعلمه،أن عمتي بعد مرضها وبعد أن يئست من عودتك باعت نصيبها للوالد،لكي تصرف على المرض الذي ألم بها،،لكنك أنت  ابن عمتي.إن أردت الاستقرار بالدوار فمرحبا بك، فبيت والدتك يحتاج إلى الترميم،وإن كان لديك بعض المال فبإمكانك إصلاحه واستثمار ما تبقى لك في تربية المواشي...

بات سلام ليلته الأولى بمسقط رأسه وربما ستكون الأخيرة فقد فهم من كلام محمد أنه غير مرغوب فيه،فقرر الرحيل إلى وجهة أخرى،،،استيقظ سلام باكرا،جمع لوازمه وغادر بيت ابن خاله،دون أن يودعه،وحتى الكلاب على غير عادتها ودعته دون أن تنبح في وجهه،،،توجه إلى الطريق ومن فوق الربوة ودع البلدة إلى غير رجعة،،،انتظر وصول الحافلة المتوجهة إلى المدينة...

....توقفت الحافلة بمحطة المدينة،طوال مسافة الرحلة وسلام يفكر في لقاء صديقه بوزكري،اهو توفي ام مازال على قيد الحياة،،؟، بوزكري الذي بثرت رجله في معركة من معارك الحرب العالمية الثانية،عاد بعدها للمغرب كمعطوب حرب،،،وكل ما يتذكره سلام عن صديقه بوزكري،،أن بيته يوجد قرب فران اليهودي بدرب بوطويل فهو أول صديق تعرف عليه حين خضوعهما الفحص الطبي استعدادا للانضمام للجيش الفرنسي،فقد استقبله بوزكري أول ليلة له بالمدينة.

توجه سلام نحو باب الخميس المؤدي للمدينة العتيقة وهو يتأمل واقع هذه المدينة التحفة التي كانت بالنسبة له في شبابه حلما يراوضه،وما ألت إليه من تهميش بعد أربع وثلاثين سنة غاب فيها،،أصبحت مثل عجوز تحتضر تحت وطأة الاهمال والتفقير،دخل مقهى شعبي على ناصية الطريق طلب براد شاي صغير،وقطعة خبز وزيت زيتون،،تناول فطوره على نغمات مجموعة ناس الغيوان،وعلى رائحة الكيف المنبعثة من كل أرجاء المكان،أشعل سيجارة مما تبقى من علبة سجائره الفيتنامية،،أخذ نفسا عميقا وهو يتأمل في المارة،،أدى ثمن فطوره،وهو يرتشف ما تبقى من شاي،سأل النادل،،،هل أنت من سكان  هذه المدينة الأصليين..؟ 

النادل لقد هاجرت لهذه المدينة لكن مقامي طال بها لأكثر من عشر سنوات وبحكم صغر المدينة أصبحت ملما بتاريخها،

وثقافتها وأعرف تقريبا كل سكانها....

سلام:جميل هل تعرف شخصا يسمى بوزكري الشتوكي،،

معطوب حرب،رجله مبتورة..؟

النادل يبتسم منتشيا بنجاحه في أول اختبار،،مزكيا معرفته بالمدينة لسلام،،بوزكري العسكري الأعرج ،،،أعرفه حق المعرفة لقد سبق لي أن عملت عنده بالمقهى،،،هل تعرفه؟فهو صعب المراس،غريب الأطوار..

سلام وقد وجد ضالته،،نعم هو صديقي في الحرب العالمية الثانية،،كنا في نفس الفيلق الأجنبي،حاربنا جنبا إلى جنب في كل المعارك حتى أصيب بتلك العاهة،،هل يمكنك أن تدلني على عنوانه...؟

النادل: مرحبا مشيرا بيده،،على طول هذا الزقاق المؤدي لسوق الغزل،ستجد مقهى العسكري الأعرج..

ودع سلام النادل،حمل حقيبته وتوجه لفندق باب الخميس،

فندق رخيص يتواجد في وسط المدينة العتيقة كل زبائنه من الوافدين على المدينة الذين يبحثون عن فرصة عمل،استأجر غرفة في الطابق الأول،فتح نافذة الغرفة التي تطل على الشارع المؤدي للميناء،،تمدد فوق السرير المهتريء،،نسمة بحرية منعشة في جو صباح ملتهب،،غالبه النوم على صوت النوارس التي تستوطن سطح الفندق،استفاق مذعورا على صوت أذان صلاة الظهر من مسجد الزاوية الناصرية القريب من الفندق،أول مرة يسمع الأذان مباشرة بعد ثلث قرن من الزمن..لبس معطفه وأقفل باب الغرفة،توجه إلى الإستقبال،

يسأل عن أقرب مطعم يقدم وجبات سمك السردين،فسلام أشتاق لأكل السردين المقلي،بل حتى مدخراته لاتسمح  بتناول وجبة غير وجبة السردين الرخيصة، تقشفا  على ما تبقى لديه من نقوذ،،تذكر سلام أيام الشباب حين كان ينزل للمدينة،فكان يستغل الفرصة لأكل وجبة السردين المقلي رفقة محمد ابن خاله الذي تنكر له من أجل حفنة تراب سيتصرف فيها كما تصرف فيها والده قبله،وتصرف فيها أجداده،ويرثها اولاده من بعده،بعد تناول الوجبة التي لم تكن بنفس المذاق الذي اعتاده قبل ثلث قرن ،،هل هو السردين الذي يتغير مذاقه كأهل زمانه،،؟

أم أنني فقذت حاسة الذوق بسبب الشيخوخة،،؟على كل حال فقد أسعف معدته بوجبة رخيصة،،توجه تواً يبحث عن مقهى بوزكري العسكري،،دخل يتطلع باحثا عن صديقه،،دخان الكيف يملأ فضاء المقهى،ضجيج شباب وشيوخ يلعبون الورق،التفت  وراء المسطبة كهل في عقده السادس يبدو أنه مازال في كامل لياقته البدنية يرتدي وزرة زرقاء تقي ملابسه أوساخ بقايا الشاي والقهوة،لون صباغة المقهى الأبيض تحول إلى لون مائل للأصفر بفعل دخان الكيف،سقفها يتدلى منه مصباحان  ضوءهما باهث تلتصق بهما مخلفات الذباب والحشرات،وراء المسطبة إطارات على الحائط،شهادة اعتراف من الجمهورية الفرنسية بالتضحيات الجسيمة التي قدمها للدفاع عن فرنسا،،

وبقايا نياشين في الإطار الثاني،وصورة للكبران بوزكري

بالزي العسكري لم تعد ملامح بوزكري تظهر في الصورة من كثرة مخلفات الاوساخ العالقة بها...

سلام:السلام عليكم كبران،،،لاجودان ديدي يريدك في مهمة.

ما إن سمع لاجودان ديدي حتى رجعت به الذاكرة إلى الحرب العالمية الثانية والمعارك التي خاضها تحت امرة لاجودان ديدي،،تطلع إلى ملامح مخاطبه،،،إن لم تخني الذاكرة  الكبران سلام لصمك..!

سلام: الكبران بوزكري،،،خرج بوزكري من وراء المسطبة يجر رجله الاصطناعية،،تعانقا بحرارة حتى سمع كل من رواد المقهى شهيق بكاءهما،،،جلسا إلى طاولة...أمر بوزكري صبي المقهى بإعداد براد شاي،،اقتربا لبعضهما حتى كادا يلتصقان من شدة الشوق،،وكأن الكبران بوزكري وجد ضالته التي كان يفتقدها لتزكية قصصه وبطولاته التي يرويها لرواد المقهى أغلبها من تأليف خياله الخصب،وبعضها الأخر واقعي لكنها لجنود أخرين،اقتبسها ونسبها لنفسه...

بوزكري عاد المغرب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية،،بعد بثر رجله وبعد استشفاءه لأكثر من ستة أشهر،،،حصل خلالها على تقاعد من الجمهورية الفرنسية وشواهد،وأوسمة تأثت فضاء المقهى،،تزوج وخلف أربعة أطفال وبنت واحدة،كل واحد منهم كون أسرة واستقل بنفسه ،،بعد عودته من فرنسا استثمر بعض مدخراته في شراء المقهى التي تدر عليه مدخولا يوفر له عيشا كريما،،بوزكري أشار على سلام بكراء غرفة بعد ما علم بإقامته بفندق باب الخميس،الذي سيكلفه السكن به مصاريف إضافية..تدبر بوزكري أمر كراء غرفة لصديقه،برياض كان في ملكية القائد بوسلهام أحد قواد المنطقة خلال فترة الاستعمار،،أرسل صبيه في طلب خدوج العروصية،صاحبة الرياض ورثته عن القائد،الذي تزوجها في آخر ايامه بعدما كانت خليلته ومنظمة لياليه الحمراء،بعد وفاة القائد بوسلهام،

لم تكن لديها إيرادات لتدبير حياتها المعاشية،،فأجرت الرياض غرفا...

رجع صبي المقهى رفقة خدوج العروصية ملتحفة حايكها الأبيض الفاتح تمشي الهوينا،خدوج العروصية أرملة في عقدها السادس،بدانتها زادت من قصر قامتها،،وجهها الدائري المكتنز أخفى عينين غائرتين وراء كحل،وشفتين لا تقلان بدانة عن جسمها تغير لونهما من تأثيرات السواك الذي لا يغادر ثغرها إلا من خلال تناول الطعام يظهر من خلاله طقم أسنان ذهبي،أنفها الافطس غابت ملامحه داخل تضاريس وجهها،وشمة على جبينها مثل منعرج في طريق ثانوية،

عدد من الفرنكات الفرنسية ذهبية للملك لويس الثاني عشر تفصل عنقها عن باقي جسدها دخل صبي المقهى يخبر معلمه بقدوم خدوج،خرج بوزكري يجر رجله الإصطناعية بصعوبة،

ومن وراءه الكبران سلام يتابع خطوات صديقه عن كتب..

العروصية؛بدلال أنثوي لم يعد يأتي أكله،،العسكري ها أنا هل  أجد لديك عريس..؟

بوزكري:باستهزاء هل لديك غرفة شاغرة للعريس...؟

العروصية:الرياض كله ملك للعريس...

بوزكري:هذا الكبران سلام صديقي وبمثابة أخي،،بحاجة إلى غرفة للكراء هل يجدها لديك...؟

العروصية: مرحبا وسهلا،،الرياض وصاحبة الرياض تحت أمر السيد سلام،،فإذا لم تحمله الأرض،،فرأسي رهن إشارته....

سلام:شكرا لك لالة خدوج،،المهم أن تكون غرفة في الطابق السفلي...

العروصية:تخاطب بوزكري،،،يريدها في الطابق السفلي،وهذا يعني أن صديقك لم تعد لديه القدرة على الصعود،!

سلام:بحكم غربته الطويلة أصبح لايفهم في حشو الكلام،،لا 

سيدتي الفاضلة كل ما في الأمر،،أنني أفضل عدم الاختلاط بالناس...

بدأ سلام يتعود على حياته الجديدة،بعد أن قام بشراء بعض المستلزمات المنزلية المستعملة،من جوطية المدينة...فرغم اقتناءه لمستلزمات الطبخ، إلى أنه مازال يتناول كل وجباته بمقاهي المدينة،،فأصبح برنامجه اليومي الاستيقاظ بين السادسة والسابعة صباحا،التوجه رأسا لمقهى العسكري لتناول وجبة الفطور رفقة صديقه بوزكري،ومؤانسته حتى وقت الظهيرة،،فيأخذ وجبة الغذاء في أحد المطاعم الرخيصة،يعود

بعدها إلى الغرفة للقيلولة،فيقضي باقي نهاره بين التسكع  بأزقة المدينة،وميناءها،،يراقب عودة البحارة على قواربهم المحملة بأنواع السمك،بينما النوارس تبحث عن نصف فرصة للفوز بصيد ثمين من القوارب،،سلام تأخذه الذكريات لميناء مارسيليا والتسكع بين حاناتها،ومطاردة بائعات الهوى رفقة جنود من الفيلق الأجنبي (لاليجو) كما ينطقها أغلب جنود هذا الفيلق...(Légion étrangère)..ينفث ما تبقى من سيجارته قبل أن يرمي بعقبها إلى البحر،،يغادر الميناء قافلا للغرفة قبل غروب الشمس،حتى لا تباغثه نزلة ربو فيبيت ليلته مستيقظا.

غالبا ما يجد العروصية وسط فناء الرياض رفقة وصيفتها فطومة،منشغلتان بتحضير وصفات للسمنة، أو لتفتيح البشرة والقضاء على التجاعيد،،حتى أصبح وجهها وجسدها معملا للتجارب،،تسمع حنحنة سلام فترفع صوتها بالغناء تناجي قائدها بوسلهام الذي غادرها على حين غفلة من الزمن..رافعة ذراعيها متوسلة للسماء أن تلتقيه في جنة الخلد،ولتظهر لسلام نصف ذراعيها المغطتان بأساور من الذهب،،فطومة بعد موت عبوش أمها بالتبني التي كانت تكتري غرفة بالرياض،

وتمتهن التسول قيد حياتها،كل مدخراتها من التسول أودعته لدى العروصية.بعد موت عبوش المتسولة..استغلت خدوج الفرصة،فضربت عصفورين بحجر  واحد، اتخدت فطومة خادمة ووصيفة لها،وأعادت كراء الغرفة..

فطومة شابة في بداية عقدها الثالث،،جسد ينبض بالحياة،

ابتسامة لاتفارق محياها، أنجبتها أمها من علاقة غير شرعية،

تركتها في عهدة عبوش على أن تعود بعد تسوية وضعيتها القانونية مع الأب الشرعي لفطومة،،مرت ثلاث وعشرون سنة ولم تعد لاسترجاع ابنتها،،فطومة غير مسجلة بالحالة المدنية،

ولم تطأ قدمها المدرسة،،منذ أن وعت على الدنيا وهي تتنقل بين المنازل كخادمة بيوت..

حجوب رجل مسن يجلس قرب غرفته المحادية لغرفة سلام على كرسي خشبي صغير يتوضأ استعداد لصلاة المغرب،

يعتمد على دخل إبنته نجية سيدة أربعينية مطلقة تشتغل بمعمل لتصبير السمك،،العربي الشتوكي رجل خمسيني،يسكن الغرفة المقابلة اسلام يحترف بيع المبيدات بالمنطقة،يغادر غرفته مع صلاة الفجر ولا يعود إليها إلا بعد صلاة العصر،مستحقات الكراء يؤديها عينيا،فكل ما تحتاجه العروصية.من دجاج بلدي أو لحم طازج من الأسواق يتكلف به العربي على أن تخصمه من أجرة الكراء...

مرت خمس سنوات على استقرار سلام برياض القائد بوسلهام

ساءت حالته بعد وعكة صحية،كانت خلالها تقوم فطومة على خدمته،وبعد أن استعاد عافيته عرضت عليه العروصية الزواج من فطومة،سلام لم يرفض طلب العروصية،،لم يكتب سلام عقده على فطومة لعدم توفرها على أي وثيقة تثبت وجودها كمواطنة

...بعد خمس سنوات زواج، بدأت هيبة الكبران سلام تتلاشى أمام شيخوخته،ونضج فطومة وسطوتها،بتحريض من خليلها حمودة ولد المعاشي الذي استغل شيخوخة سلام وزواجه العرفي الغير الموثق من فطومة،فأصبح يجبرها على مغادرة الغرفة،وقت ماشاء،وترجع إليها وقت ما شاء،هجرت فراش الزوجية،لم يقو سلام على مواجهة فطومة وجبروت خليلها،أمام صمت كل ساكنة الرياض والزقاق وخوفهم من انتقام ولد المعاشي،بل تمادت وأصبحت تعنفه وتسلب منه كل ما تجده بجيوبه.

فكان يشتكيها للعروصية،التي فقدت بدورها السيطرة على تصرفات فطومة خوفا من المطالبة بمذخرات والدتها وخوفا من سطوة حمودة الذي ما فتيء يهدد كل سكان الزقاق بالسلاح الابيض،،

وبعد كل مشادة بين فطومة وسلام كانت تتدخل العروصية لتهدئة الأوضاع،،فتطلب من سلام الصبر على تصرفات فطومة،لأنها ستنضج يوما ما،و ستتراجع عن طيشها..

عادت فطومة ذات ليلة مخمورة رفقة خليلها،وحاولوا الاعتداء على سلام وطرده من الغرفة لولا تدخل العروصية،

التي هددت حمودة بإخبار الشرطة،،بعد أسبوع تم اعتقال حمودة ولد المعاشي بتهمة الاتجار بالمخدرات،فتزامن اعتقاله مع تهديد العروصية،فاصبحت تهمة الوشاية ثابتة في حق العروصية،فاقسم حمودة على الانتقام من العروصية....

عادت فطومة لغرفة الزوجية دون أن تشارك زوجها الفراش،،

هجرته وهو بدوره لم يعد يطالبها بحقوقه الشرعية..

ذات صباح استيقظ سلام كعادته لم يجد فطومة،لم يبحث عنها،انتظر عودتها ليلا لكن شيئا من ذلك لم يحصل،،مر على اختفاءها أكثر من سبعة أشهر دون خبر،،سلام لم يكلف نفسه البحث عنها أو حتى إخبار الشرطة بغيابها،بل ارتاح من سلام مشاكلها وتعنيفها له...

الكبران بوزكري لاحظ غياب صديقه سلام عن المقهى وتردده المتقطع،،كما علم باختفاء زوجته فطومة،،أرسل بوزكري صبي المقهى في طلب صديقه،لبى سلام طلب صديقه دخل المقهى مطأطأ الرأس تجنبا لغمزات رواد المقهى،،ارتمى في حضن صديقه وانفجر سلام يجهش بالبكاء كطفل صغير فقد لعبته المحببة،دون أن ينطق بكلمة..حاول بوزكري تهدئة سلام،لكن هذه الأخير فاض به الكيل،ورجعت به الذكريات إلى أيام زوجته الفيتنامية مادرينا حين كان يعيش في سعادة لم يكن  ليعرف قيمتها الا عندما افتقذها،،

فكانت مادرينا تقوم بجميع أعباء البيت وأشغال الفلاحة وتربية المواشي و التسوق،كان دور سلام يقتصر على مراقبة زوجته وهو يتربع على أريكة وثيرة بباب بيته وسط الضيعة يتذوق سيجارته الفيتنامية التي كان يشبهها بمدرينا،كل ما كان يقوم هو تغذية كلبه (ديدي) الذي سماه على اسم  الأجودان (ديدي فرنسوا) ذاك العسكري الفرنسي العنصري،

الذي كانت تهابه جنود(الفيلق الأجنبي)لقسوته وعنصريته وتحترمه لانضباطه،،إلى جانب تغدية كلبه ديدي كان يجمع محصول بيض دجاجات الضيعة،وفي بعض الأوقات يقوم بزيارة بعض أصدقائه الجنود المغاربة ...

تمنى سلام في قرارة نفسه،لو بقي مغتربا عن وطن تنكر له فيه ابن خاله،و صودرت أرضه وخانته الزوجة التي أحسن معاشرتها،واحتقره ذاك الصعلوك حمودة،فلم يجد سوى صديقه الكبران بوزكري ملاذا..

يمضي سلام يومه يتسكع بالشاطيء حتى تغيب الشمس في المحيط،ليرجع إلى غرفته،أصبح يكتفي في أغلب الايام بوجبة واحدة لانعدام رغبته في الأكل ولضيق ذات اليد،،فكلما عاد ليلا لغرفته كانت تدعوه العروصية لوجبة عشاء بغرفتها،،تفضفض له بما يساورها من تخوف على مستقبل مجهول في غياب الأولاد يعبرون بضعفها،وكأنها تذكره بنفس المصير،،يحاول الهروب من مناقشتها للموضوع فيغادر الغرفة بحجة التدخين،،فتعاتبه العروصية على هذا الهروب،،يأخذ فنجان شاي وينصرف لغرفته،،يبيت الكبران سلام ليلته متقلبا على نار الوحدة،،ولوعة الفراق،،هكذا أضحت ليالي الكبران سلام كلها تعاسة،يجافيه النوم وتحضر كوابيس الشيخوخة والوحدة المخيفة..

تم الافراج عن حمودة بعد أن قضى سنة سجنا نافذا،،عاد مشبعا بالفكر السلفي المتطرف،،ناقما على الزقاق وأهله متهما اياهم بالكفر والزندقة،تغير فكره كما لم تتغير سلوكاته العدوانية على المستضعفين،، فأصبح الأمر الناهي بالزقاق،فلا تغادر امرأة بيتها دون إرتداء الخمار،ولا رجل إلا أمره بقص شاربه واعفاء لحيته...

صادف ذات مساء عودة سلام إلى الرياض،استوقفه حمودة ناعثا اياه بالشيطان،،الم يحن وقت توبتك يا شيطان الزقاق.؟

أصبح سلام يجتنب الاحتكاك بولد المعاشي،فيغادر الزقاق باكرا ولا يعود حتى يتيقن من مغادرة ولد المعاشي لبيته،

أضحت الحياة في الزقاق صعبة لا تطاق،فلا أحد قادر على مواجهة الداعية العنيف،فحتى إمام المسجد لم يسلم من انتقاداته ومن تهكماته واتهامه بالعمالة للشرطة...

فكر سلام في هجرة الزقاق لكن وضعه المادي لم يسمح له بذلك وكذا تعلقه بسكان الرياض والزقاق جعله يتخلى عن الفكرة..

بعد الإفراج عن حمودة بثلاثة أشهر عادت فطومة للزقاق في حلة جديدة بعد أن غيرت من شكلها،أصبحت أكثر أنوثة،

واكثر جاذبية،استقبلتها العروصية بغرفتها على مضض خوفا من ردة فعل فطومة التي تمرست وتنمرت خلال مدة اختفاءها حيث اشتغلت راقصة بملهى ليلي بأحدى مدن الشمال،عاشرت خلالها ذئاب الليل البشرية،من أباطرة المخدرات والمهربين،فلم تعد تخشى أحدا،تغيرت لغتها كما تغير شكلها وسلوكها،فأدمنت التدخين والسكر،قررت الانتقام لوضعها فالزمن لم يرحمها  كما لم ترحمها  أم تخلت عنها لسيدة تحترف التسول التي بدورها استغلت طفولتها في التسول،لم يرحمها أي واحد ممن اشتغلت لديهم خادمة بالبيوت فتعرضت لجميع أنواع العنف،كما تعرضت للاغتصاب دون أن تجد من يدافع عن ضعفها،لم ترحمها العروصية التي سلبت مذخرات أمها بالتبني،،لم يرحمها ولد المعاشي حين أجبرها على الخيانة الزوجية،فلم تجد أمامها إلا ضعف سلام،

فمارست عليه جبروتها..رجعت فطومة وكلها قوة وحقد على مجتمع أذاقها مر أنواع الذل والمهانة الكثير،رجعت فطومة وكلها حقد على مجتمع لا مكان فيه للضعيف..

ولد المعاشي لم يطق صبرا على فطومة التي تراوده على نفسه،فكان يطالبها بستر نفسها بارتداء الخمار،لكنها كانت تستهزئ به،وتطالبه بالزواج منها إن هو أرادها ستر عورتها...

ذات صباح استيقظ سلام على هدوء غير عادي بالرياض،لاول مرة لم يجد العروصية تكنس باب الرياض كعادتها كل صباح،وترش بعضا من خلطاتها السحرية تحصينا من العين الحاسدة،خرج سلام دون أن يعر الأمر اهتماما لغياب العروصية.توجه لمقهى صديقه بوزكري لتناول وجبة الفطور،

والدردشة مع صديقه...

وبعد أن تسكع بأزقة المدينة عاد على غير عادته للرياض قبل العصر وجد تجمهرا بمدخل الزقاق،،حاول أن يستفسر عما يقع بالزقاق،،فجاءته الإجابة من مفتش شرطة،،،جريمة قتل،لقد وجدت العروصية مشنوقة في غرفتها،تلاها مفتش شرطة بسؤال أنت سلام لصمك،،!

لم يتمالك سلام نفسه من هول الصدمة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،،،كيف قتلت،،،؟

مفتش الشرطة: أنت من سيجيب على هذا السؤال،،؟ 

سلام: ومن أين ساعلم بمقتلها،،؟

مفتش الشرطة: بطاقة التعريف،،؟

سلم الكبران سلام بطاقته لمفتش الشرطة..

طلب منه هذا الأخير مرافقته لدائرة الأمن،،

علم سلام أن العروصية قد قتلت شنقا،ودافع القتل هو السرقة..امتطى سيارة الأمن تحت أنظار جمهور من الحاضرين،تم استنطاقه في محضر رسمي،،عن علاقته بمقتل خدوج العروصية.وعن اختفاء زوجته فطومة و اختفاء ولد المعاشي،،تم اعتقال الكبران سلام على ذمة التحقيق..

تبين بعد تشريح جثة الهالكة أنها قتلت شنقا،وكانت تحاول الدفاع عن نفسها لكن قوة القاتل كانت أقوى من إرادتها،،تم تفتيش الغرفة فلم تعثر الشرطة على مدخرات الهالكة،ليتبين أن السرقة كانت سببا في القتل..

لم يطلق سراح سلام الا بعد خمسة عشر يوما من الاعتقال للاشتباه به في المشاركة،ما دامت زوجته مختفية رفقة خليلها حمودة..

افرج عن سلام بعد التأكد من براءته من جريمة القتل،عاد للرياض منهكا،لم يقو على الدخول لغرفته،،كل ركن بالرياض تنبعث منه رائحة خدوج العروصية،وفي كل مكان صورتها وجلجلة ضحكتها تصم أذنيه،وهي تتغنى بقائدها بوسلهام الذي غذرها برحيله دون استئذان،،كل سكان الرياض في حالة حداد على روح خدوج العروصية،فهي كانت لهم بمثابة الأم والاخت،فرغم فضاضتها وقسوتها،فهي تواسي الحزين وتطعم الجائع،قططها ظلت  ممدة بباب الغرفة لم تفقد الأمل،تنتظر نصيبها اليومي من الطعام العروصية التي كانت توزع عليهم الأكل وهي تكلمهم كأنها تكلم انسانا التي كان لها نصيب من كرم العروصية،بدورها لم تغادر سطح الرياض وكأنها تعلم مصير المرأة الطيبة..

بقي حال سكان الرياض على هذا الحال،في حالة حزن رهيب لم يستوعبوا مقتل العروصية...

مرت على موتها شهران،ليتم اعتقال حمودة ولد المعاشي وفطومة بأحد الفنادق،بعد أن بددا كل مدخرات المرحومة،،

وبعد اعتقالهما  اعترفا بقتلهما للعروصية من أجل السرقة.

جاءت بهم الشرطة لإعادة تمثيل الجريمة،على مدخل الزقاق تجمهرت ساكنته،وساكنة الأزقة المجاورة،وكأن الجريمة قد وقعت لتوها،،اعترفت فطومة أنها كانت تعلم أن خدوج العروصية تذخر كل مداخيل الكراء،والذهب داخل صندوق تحت سريرها...فخططت صحبة حمودة على سرقة مدخراتها،

لكن حمودة هو الذي أصر على قتلها فتركت له باب الغرفة مفتوحا،دخل الرياض خلسة،توجه لغرفة العروصية،انقض عليها بحبل حول رقبتها،حتى تيقن من أنها فارقت الحياة،

استولت فطومة وخليلها على أموال الهالكة،،وغادروا الزقاق إلى أن تم اعتقالهم وإحالتهم على المحكمة التي قضت بحكم المؤبد في حقهما..

لم يعد سلام قادرا على مغادرة الغرفة لمعاناته مع الربو،

ومعاناته من الصدمة النفسية لمقتل العروصية وكذا من داء السكري...

تم نقل سلام على وجه السرعة إلى العناية المركزة بمستشفى المدينة في حالة حرجة،كل سكان الرياض والزقاق كانوا يتناوبون على زيارته،،تكفل صديقه الكبران بوزكري بشراء الأدوية،،بعد أسبوع غادر سلام  العناية المركزة بعد أن استعاد بعضا من عافيته،استلقى سلام على ظهره يتأمل سقف غرفة المستشفى،كم من مريض خرج من هنا معافى،وكم من مريض غادر من هذا المكان لدار البقاء....

تم نقل سلام بعد تعافيه إلى مؤسسة للمسنين لاستكمال ما تبقى عمره بهذه المؤسسة،لم يتعود على العيش رفقة هذه الفئة.فوق سرير بغرفة مشتركة أغمض عينيه،،،يتخيل صورة مادرينا  ماذا فعل بك الزمن حبيبتي،،تمنى أن يراها وبعدها تأتي المنية،،سمع طرقا على باب الغرفة،،،سلام سلام..صوت 

مألوف لدى سلام،،فتح عينيه إنها مادرينا حبيبتي إنها مادرينا حبيبتي...ارتمت في حضنه تبكي ما بك حبيبي سلام،،

سامحيني حبيبتي عدت للوطن ونسيت أنك وطني الحقيقي.

مادرينا:سلام سلام مابك حبيبي..

سلام وداعا حبيبتي مادرينا إلى اللقاء في جنة الخلد....

ودع سلام الحياة وهو بين يدي مادرينا،وتلك كانت  أخر أمنية لسلام لصمك... بعد علمه بوفاة سلام،ابن خاله محمد ابن العياشي جاء يبحث عن ما تبقى لسلام من مذخرات....

                                 إنتهى

رفيق مدريك/الصويرة/المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

همسات جمالية /بقلم جمال خليل

همسات جمالية /بقلم جمال خليل

عيونك /بقلم محمد طه عبد الفتاح