الطيور السوداء /بقلم عبده داود
الطيور السوداء
15.11.2020
عودتنا (طيور السنونو) أن تأتي إلى ضيعتنا النبك بريف دمشق، في شهر نيسان من كل عام، تبشرنا بقدوم فصل الربيع، عندما تبدأ النسمات الدافئة تصل الينا، والطقس في منطقتنا يصبح ممتعاً، بعد شتاء طويل يشقينا حضوره... في الخريف تهاجر تلك الطيور منذرة بعودة البرد...
هذه الطيور السوداء، تزين سماء بلدنا في فصل الصيف، تتنزه فرحة محلقة جماعات ووحداناً، صاعدة هابطة في كل الاتجاهات، تستقبل الشمس وتودعها بسعادة غريبة أخصها بها الله رغم لونها الاسود الحزين...
المدهش في هذه الطيور، تبنى أعشاشها السكنية من البحص الصغير والقش في الأماكن العالية، بإتقان احترافي مذهل بشكل هرم مقلوب، يستغرب المتأمل إلى تلك الأعشاش، كيف تجعل الطيور الحصوات متماسكة متلاصقة بشكل متين. حتى تجعلها منازل سكن خاص لها، وربما يطوبون تلك الأعشاش بصكوك ملكية خاصة فيما بينهم، من يدري؟
وسبب تصوراتي هذه، ذكرى محفوظة في ذاكرتي، عندما كنت صغيراً، كان في بيتنا غرفة غير مكتملة الاكساء بدون نوافذ...
سقفها الترابي تحمله عواميد من شجر الحور المتوفر في قريتنا.
أحد تلك الطيور السنونو، اختار الغرفة المذكورة ليبني فيها عشاً في سقفها مستفيداً من أحد تلك الأعمدة الخشبية، وربما سبب اختياره ذاك المكان الآمن سهولة دخوله وخروجه بيسر وحرية.
كنت حينها طفلاً في السابعة من عمري، فرحا بذاك الطائر السنونو، الذي كان يذهب ويعود حاملا بفمه بحصاُ وقشاً لمتابعة بناء عشه في سقف غرفتنا، وكان يرمقني بعينيه المدورتين كأنه يستأذنني.
أنا في الحقيقة انست حضوره، وأفرحني تواجده، وعندما كان يطيل غيابه كنت أتساءل أين هو صديقي الأسود؟
لقد ربطتني مع ذاك الطائر الحزين نوع من المحبة، أشتاق اليه وانتظره كصديق نتسامر بالنظرات الهامسة...
تلك الغرفة غير المكتمل اكسائها، أنا خصصتها لي ولألعابي وخردوات طفولتي، شاركني فيها صديقي السنونو، كانت غرفة فارغة، لا يتواجد فيها أحد غيري، وغير هذا الطائر الذي فرض وجوده علينا.
كنت ألاعب نفسي وحيداً هناك، وأراقب حركة بناء العش الجارية في سقف تلك الغرفة. وكان العش يكبر يوما بعد يوم، على شكل هرم مقلوب.
ذاك الصيف صنعت نقيفة (نبلة) مطاطية، ذلك السلاح الخطير الذي يتجاهله، أو يتناساه القانون، أحببت أن أجربها على ذاك الطائر المسكين، فقذفته بحصاة بواسطتها. لسوء الحظ أصبته وهوى صديقي، وكاد يغرق في سطل دهان أبيض تصادف وجوده بالمكان، رفرف بصعوبة وطار هارباً. لكن تلونت ساقيه باللون الجديد الأبيض، وتصورته لن يعود، وحزنت أنا، ولمت ذاتي على فعلتي، لكنه فاجأني وعاد في المساء إلى عشه، بعلامته الفارقة، لون ساقيه الغريبتين...
دخل عشه صامتاً على غير عادته، وكأنه أراد أن يعاتبني على تصرفي المشين معه...
في الخريف كالعادة، هاجرت طيور السنونو وهاجر صديقي مع الطيور المهاجرة بساقيه الغريبتين وكأنه يلبس جزمة بيضاء اللون تكسي ساقيه النحيلتين، لكن أقول لكم الحقيقة، لقد آلمني فراق صديقي الذي أمضينا ذاك الصيف سوية.
رحيل السنونو عن منطقتنا القلمون، ينذرنا بقدوم الشتاء الذي نخاف من برده القارس والجارح، لذلك نعتبر رحيل تلك الطيور من بلدنا، نذير شؤم حقيقي...وهذا يحثنا لنأخذ الاحتياطات التي تقينا من صقيع بلدنا المخيف...
مضى ذاك الشتاء بوجعه وصقيعه، وعاد الربيع برقته وجماله، وعاد السنونو معه. والحقيقة تفاجأت بعودة صديقي الطائر ذو الطرفين الابيضين إلى عشه في بيتنا...عاد إلى ذات البيت الذي بناه بتعبه وعرق جبينه...
وفرحت بعودته كثيراً، لكنه لم يكن بمفرده هذه المرة، كانت معه رفيقته، ولم يرمقني حتى بنظرة كما كان يفعل قبل رحيله، ويبدو لي انه أنشأ عش الزوجية قبل أن يحضر حبيبته لتقطن معه.
وتذكرت المثل الشعبي الذي يقول: "من وجد أحبابه، نسى أصحابه"
سبحان الله.
كتب القصة: عبدو داود
تعليقات
إرسال تعليق